مصطفى صادق الرافعي

128

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

وإنما نسبت المعارضة لابن المقفع دون غيره من بلغاء الناس ، لأن فتنة الفرق الملحدة إنما كانت بعده ، وكان البلغاء كافة لا يمترون في إعجاز القرآن وإن اختلفوا في وجه إعجازه ؛ ثم كان ابن المقفع متهما عند الناس في دينه فدفع بعض ذلك إلى بعض ، وتهيأت النسبة من الجملة . ولو كانت الزندقة فاشية أيام عبد الحميد الكاتب ، وكان متهما بها أو كان له عرق في المجوسية ، لما أخلته إحدى الروايات من زعم المعارضة : لا لأنه زنديق ، ولكن لأنه بليغ يصلح دليلا للزنادقة « 1 » . وزعم هؤلاء الملحدة أيضا أن حكم قابوس بن وشمكير « 2 » وقصصه ، هي من بعض المعارضة للقرآن ؛ فكأنهم يحسبون أن كل ما فيه أدب وحكمة وتاريخ وأخبار فتلك سبيله ؛ وما ندري لمن كانوا يزعمون مثل هذا ؟ ومثل قولهم : إن القصائد السبع المسماة بالمعلقات هي عندهم معارضة للقرآن بفصاحتها « 3 » . ( 7 ) وأبو الحسين أحمد بن يحيى المعروف بابن الراوندي « 4 » وكان رجلا غلبت عليه شقوة الكلام ؛ فبسط لسانه في مناقضة الشريعة ، وذهب يزعم ويفتري ، وليس أدل على جهله وفساد قياسه وأنه يمضي في قضية لا برهان له بها - من قوله في كتاب

--> ( 1 ) من أعجب ما رأيناه : أن بعضهم اتهم ابن سينا بمعارضة القرآن لأنه زنديق ، وأن ابن سينا وضع رسالة في دفع هذا الافتراء ، قلنا ؛ وأين ابن سينا من طور سينا ؟ هذا رجل وهذا جبل . . ولكنها كانت عصور الجدل والمكابرة ! . ( 2 ) وهو شمس المعالي قابوس بن وشمكير المتوفى سنة 403 ه - ، من ملوك الديلم على جرجان وطبرستان ، وكان أديب مترسلا ، بلغ في وصفه الثعالبي صاحب اليتيمة ، وقد طبع بعض رسائله في كتاب اسمه ( كمال البلاغة ) وهو رجل مسلم قوي الإيمان وإنما كذبوا عليه . وبعض كلامه جيد وبعضه لا قيمة له . ( 3 ) وإنا لنحسب هذا الزعم أصلا فيما نراه في بعض كتب الأدب والبلاغة ، من أن هذه القصائد كانت معلقة على الكعبة فأنزلها العرب لفصاحة القرآن ، إلا معلقة امرئ القيس ، فإن أخته أبت ذلك ، فلما نزلت آية وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ قامت إلى الكعبة فأنزلت معلقة أخيها ؛ وإلا ، فمن الذي يصدق مثل هذه الرواية الباطلة إلا إذا كان إلى زعم كزعم أولئك الملحدين . ( 4 ) توفي سنة 293 على رواية أبي الفداء ، وفي كشف الظنون سنة 301 وفي وفيات ابن خلكان سنة 350 ، ولعل الأولى أقرب ، وكان هذا الرجل من المعتزلة ، ثم خالفهم فنبذوه واشتدوا عليه ، فخله الغيظ على أن مال إلى الرافضة . قالوا : لأنه لم يجد فرقة من فرق الأمة تقبله ، ثم ألحد في دينه وجعل يصنف الكتب لليهود والنصارى وغيرهم في الطعن على الإسلام ، وهلك في منزل رجل يهودي اسمه أبو عيسى الأهوازي ، وكان يؤلف له الكتب .